هل تملك الجرأة لزيارة العيادة النفسية؟ أم أنك تخجل وترتبك من نظرة المجتمع إليك؟! الطبيب النفسي عونٌ لمرضاه, ومستودعٌ لأسرارهم وللأسرة والمجتمع الدور الأهم للوصول إلى الشفاء التام
خزامى رزوق
تحقيقات
الخميس: 4-3-2010
-المرء كتلة من المشاعر والأحاسيس المرهفة, لذلك فهو معرض في أي لحظة بأن يتحول, من إنسان طبيعي, منتج وفعال لديه أهداف ومشاريع مستقبلية, إلى شخصٍ آخر محبط, عاجز, وعالة على كل من حوله وعلى المجتمع, ومن هنا نقول: إن تكوينه العصبي والنفسي والوراثي, هو من يحدد قدرته على تحمل الصدمات والمواقف القاسية التي يمكن أن تواجهه خلال حياته.
وهنا لدينا أسئلة كثيرة تطرح نفسها, فإن مررت بحالة نفسية أو عصبية نتيجة ظرف ما, هل تملك الجرأة لزيارة العيادة النفسية أم لا؟ أو إن لم تكن تشكو من عارضٍ ما, فهل لديك القناعة المطلقة بأن الطبيب النفسي يساعدك على خلق حالةٍ من الاستقرار النفسي لديك؟
بين القبول والرفض
-تساؤلاتنا هذه طرحناها على عدد من النساء, كثيرات منهن أيدن ذلك وبعضهن عارضنها, واللاتي أعربنَّ عن آرائهن هنَّ...
خولة عثمان (مديرة مدرسة) قالت:إنني أنفي وجود أية حالة اكتئاب مرضية, خاصة عند الإنسان السوي, ولا أحبذ أبداً زيارة الطبيب النفسي.
ذكريات حبيب (مدرسة) تقول:كل شخص فينا معرض لأن يكون في وضع يحتاج فيه للمساعدة, ولكن الأهم من ذلك أن يعرف كيف يخرج من هذه المرحلة وألاَّ يبقى مأسوراً فيها.
ريم ابراهيم (مدرسة) تقول: في المجتمعات الغربية يحتاجون للطبيب أكثر منا, بسبب ضعف الروابط الأسرية, أما نحن فلدينا الأصدقاء والأهل نشاركهم همومنا وآلامنا, كما أن الإعلام في مجتمعنا لا يشجع على دور الطبيب النفسي, ونحن بحاجة لتوعية جيلنا لمدى أهميته.
نبيلة أبو أسعد (مدرسة) قالت: إن مجتمعنا لايرحم, فزيارتنا للطبيب يمكن أن يصفنا البعض بالجنون.
ميساء رزوق (مدرسة) قالت: ضغوط الحياة بجميع جوانبها الاجتماعية والعائلية والوظيفية, تجعلك بحاجة لشخص تَسِرُّ له ما بداخلك, فحين أفتقد الصديقة والأخت, لا أمانع باللجوء إلى طبيب نفسي, فأنا لا أراه كما يراه المجتمع طبيباً للأمراض العقلية بل صديق أمين ومستودع لأسرار كامنة ومزيل لأوجاعي.
جرأة أم خجل أم خوف
وعن مدى الجرأة في زيارة العيادة النفسية, وأسبابها ومنشئها وراثياً كان أم عضوياً, ودور المجتمع والأسرة في العلاج, التقينا الدكتور بسام الحركة اختصاصي بالأمراض العصبية وعضو في الجمعية العالمية للعلوم العصبية والنفسية, وكان لنا معه الحوار التالي:
هل هناك جرأة لزيارة العيادة النفسية, وإن لم يكن المريض يشكو من حالة ظاهرية أو باطنية, أم مازال هناك خجلٌ وارتباكٌ؟ ومن الشريحة الأكثر تقبلاً لفكرة الطبيب النفسي؟
يمكن القول بأن نسبة الوعي لدى المجتمع تتطور باتجاه تقبل فكرة دخول العيادة النفسية, والحواجز بدأت تزول تدريجياً, ومع ذلك لم يصادفني وجود حالة ما, لمجرد الإفصاح عما يجول في الداخل من ضغوطات الحياة ومتاعبها, حيث معظم المرضى الذين يأتون العيادة, هم من النساء أكثر من الرجال, واللاتي يعانين من حالات اكتئاب ناتجة عن الخلافات الزوجية المستمرة, كتعامل الزوج السيء, وإهمال لوجودها كامرأة, أو انشغال المرأة بالأعباء الأسرية, وتناسيها لذاتها ووجودها, فهذا ما يتعبها ويقلقها.
يبحث عن قلقه لاراحته
-ماهي نسبة المرضى المراجعين للعيادة من حالات (اكتئاب- قلق- انفصام) وما مدى تجاوبهم واستمراريتهم مع العلاج؟
-نسبة المرضى المراجعين للعيادة هي نسبة مقبولة إلى حدٍ ما, ولا يمكن إحصاؤها فالمريض النفسي قد يراجع أكثر من طبيب, لأنه لا يقتنع برأي واحدٍ, فهو يبحث عن قلقه لاعن راحته, ومن هنا نقول من يلتزم بالعلاج لدى طبيب واحدٍ وبتعليماته إضافة إلى الاستمرار في تناول الدواء بانتظام, فهذا يكون مريضاً متجاوباً ويتماثل للشفاء في نهاية العلاج.
- ما أسباب المرض النفسي, وهل يشفى المريض بشكل كامل, أم أنه يبقى معرضاً للانتكاس؟
-يمكن القول إن الأسباب الرئيسية لحدوث أي عارض من الأمراض النفسية, تأتي من البيئة والمجتمع والظروف المحيطة مثل الفقر, الأحلام التي تنهار, الغيرة, الأصدقاء, الاختيار السيء لشريك الحياة, الأزمة العاطفية, ونسبة التحسن مقبولة وليس الشفاء الكامل, فالأمراض التي منشؤها عضوي (التهاب السحايا) قابلة للشفاء أكثر من الأمراض النفسية الناشئة عن مظاهر وراثية, وإن استلزم ذلك فترة علاج طويلة, مثل الاكتئاب الذي يترافق مع مظاهر زمانية, فهذا يحتاج إلى مشفى للأمراض النفسية, لأن فكرة الانتحار تكون قائمة ويحتاج إلى مراقبة دائمة, وكذلك المصابون بالانفصام فعلاجهم طويلٌ ومكثفٌّ وهؤلاء عرضة للانتكاس لأدنى سبب كان.
دور الأسرة والمجتمع
ما هي العوامل التي تعوق أو تؤخر في عملية العلاج, وما هو الدور الملقى على عاتق الأسرة والمجتمع للوصول إلى العلاج التام؟
بعد ان يتم تهيئة المريض النفسي بطريقة العلاج الدوائية, وبالأعراض التي سترافقه أثناء تناولها, وذلك من خلال جلسة طويلة معه, نزرع فيه الأمل والطمأنينة أولاً ومن ثم ننزع الخوف والقلق من داخله, ولكن ما إن يخرج من العيادة حتى تصادفه الإعاقة الأولى في العلاج, وهي أثناء صرف الوصفة الطبية من الصيدلاني, الذي يجتهد هو أو معاونه في شرح ماهية الأدوية, ويشخص له المرض من جديد, فتختلط لديه الآراء وتراوده الشكوك عدا عن تدخل الأهل والأصدقاء السلبي وليس الإيجابي, لكونه مضطرباً نفسياً فهو يصغي إلى آراء المحيطين بتمعن واهتمام أكثر من الطبيب المشرف على علاجه, لذلك يفترض بالمريض النفسي الاحتفاظ بأدويته لطبيبه فقط, وليس مع المحيط فنسبة قليلة من الأهل والأصدقاء متعاونون مع الطبيب, فلو وجدت الأسرة والمحيط الواعي لاختصرت فترة العلاج إلى نصف المدة, إضافة إلى العلاج التأهيلي والكلامي والدوائي, فإذا كانوا مترابطين فإن حالات الانتكاس ستندر جداً.
كلمة المحررة
لا بُدَّ من التدقيق في تصرفاتنا الذاتية, حتى لا نقع فريسة لأحد الأمراض النفسية, وإذا راودتنا بعض الشكوك بخصوص ذلك, ينبغي حينها ألاَّ نتردد في زيارة العيادة النفسية التي تساعدنا على تخطي الأزمات, ففي الغرب لكل امرئ طبيبه النفسي يشاركه فرحه وحزنه, وإن لم يكن لديه أيَّ حالةٍ نفسية معينة, لذلك علينا أن نتحرر من هذه النظرة السوداوية للعيادة والطبيب النفسي ونقدم كل الدعم لمن حولنا من مرضى نفسيين دون أن نشعرهم بمرضهم.